عبد الفتاح عبد المقصود

129

في نور محمد فاطمه الزهراء

حتّى عشيرته الأقربون لم يلبّوا الدعاء ، مرّتين جمعهم - من بعد - ليبصّرهم ، وفي المرّتين خذلوه ، كان من بعض أحاديث معهم ، أن قال : « إنّ الرائد لا يكذب أهله . . . واللَّه لو كذبت الناس جميعاً ما كذبتكم ، ولو غررت الناس جميعاً ما غررتكم واللَّه الذي لا إله إلّاهو ، إنّي لرسول اللَّه إليكم خاصّةً ، وإلى الناس كافّة » . وأكّد : « واللَّه لتموتنّ كما تنامون ، ولتبعثنّ كما تستيقظون ، ولتحاسبنّ بما تعملون ، ولتجزونّ بالإحسان إحساناً وبالسوء سوءاً » . ثم بشّر وأنذر : « إنّها الجنّة أبداً ، أو النار أبداً » . ثم ناشدهم ، وهو يمنّيهم الجزاء الأوفى : « يا بني عبد المطلب ما أعلم شاباً جاء قومه بأفضل ممّا جئتكم به إنّي قد جئتكم بأمر الدنيا والآخرة » . وسألهم أيّهم ناصره لنشر كلمة اللَّه ، فلم يجيبوه ، ازورّوا عنه ، خرست ألسنتهم - وإنّهم لذوو الأحلام والرأي في الناس - عن الأخذ بالدعوة الهادية ، إلّاغلاماً حدثاً منهم أراد ربّه أن يضربه مثلًا للفطنة وصفاء القلب وشفّافية الروح . عليٌّ وحده هو الذي لبّاه : « أنا يا رسول اللَّه » ثلاثاً أكّد أنّه مجيب مؤازر نصير . وثلاثاً أمره محمد بالسكوت ، ليفسح المجال لأولئك « الكبار » ، لكنّهم ظلّوا على الصمت والوجوم ، صمتهم زراية « 1 » ، ووجومهم تكذيب . ثم نطق بلسان حالهم عمّه أبو لهب ، كأنّما يردّد عن إبليس ، بكلّ ما فيه من صلف الشرك ، انتفض مرّةً يصرخ غاضباً في وجه ابن أخيه : ما رأيت أحداً جاء بني أبيه وقومه بأشرّ ممّا جئتهم به ، وهمّ أن يقذفه بحجر . . . فتبّت يداه ! وأخرى صاح بأهله - وشركه ينهش قلبه - يؤلّبهم على الدعوة وداعي السماء : هذه واللَّه السوأة ! خذوا على يديه ، ثم أسرف في غيّه . فلولا أن عابت عليه فعله هذا أُخته صفيّة بنت عبد المطلب ، فلربّما سدر عندئذ

--> ( 1 ) . زرى وتزرّى عليه : عابه واحتقره .